بدايات كرة القدم بالمغرب
يرى الدكتور الباحث في السياسات الرياضية، منصف اليازغي، أن “الإشكال الحاصل في كرة القدم المغربية هو أنها كانت ضحية اللاتأريخ واللاتوثيق، حيث لم يتم، وفق تعبيره، توثيق المراحل الأولى لبدايات كرة القدم بالمغرب، إذ تحدث البعض أن كرة القدم المغربية تدحرجت في مدن فاس، وفق مؤرخين فرنسيين زاروا المغرب آنذاك، في القرن 18، وقدموها بأنها كانت “كرة مدورة منفوخة مملوءة ببقايا الثياب”.
جريدة “تايم أوف موروكو” التي كانت تصدر في مدينة طنجة، تطرقت، في نهاية القرن 19، وبالضبط حوالي سنة 1896، في جملة عن كرة القدم في طنجة، كما ظهرت أيضًا وثيقة أخرى صدرت سنة 1920، لكاتب فرنسي في مجلة تحمل اسم “فرانس ماروك”، وكانت تصدر بالمغرب عن الإقامة الفرنسية، وقال في المقال إن هناك فريقًا اسمه “سطاد المغربي”، مختلف عن الفريق الحالي، كان في مدينة طنجة ولعب مباراة في 1906 مع فريق اسمه “الريسوني”، في إشارة إلى الثائر المعروف آنذاك أحمد الريسوني.
الرواية الأخرى، حسب اليازغي، تقول إنه بما أن الموانئ كانت تعرف حركة تجارية كبيرة بين مختلف القارات ومختلف الدول، خصوصًا بريطانيا أو إنجلترا على الخصوص، التي كانت لديها علاقات تجارية مع مختلف أنحاء العالم، كانت الموانئ سباقة إلى تصدير كرة القدم إلى باقي بقاع العالم، وبالتالي قيل إنه في طنجة كان هناك بعض البحارة المعروفين باللباس المخطط بالأسود أو بالأزرق، كانوا يلعبون قرب ميناء طنجة، وكان يُطلق عليهم “brothers” (الإخوة الأحد عشر) بحكم أنهم يلبسون نفس القميص وكانوا يلعبون كرة القدم.
وكان ظهور كرة القدم بالمغرب بشكلها المنظم، في مدينة وجدة التي كانت أول مدينة تعرضت للغزو الفرنسي سنة 1907، عندما دخل ذلك الغزو من مدينة الجزائر، حيث كانت هذه الأخيرة تعرف ممارسة كرة القدم، بحكم تواجد الفرنسيين منذ 1830 بهذه الدولة، بينما ظهرت في المغرب سنة 1907، وكانت الممارسة من خلال العساكر، إذ تظهر مجموعة من الصور في أرض منبسطة والعساكر يلعبون ويمارسون كرة القدم باعتبارها واحدة من التمارين العسكرية وأيضًا واحدة من وسائل الترويح عن النفس، فكانت أول مدينة عرفت أرضًا منبسطة لممارسة كرة القدم هي مدينة وجدة، حسب الدكتور الباحث.
ويؤكد المتحدث ذاته أنه ” قبل سنة 1912، لم تكن هناك ملاعب بالمغرب بشكلها الطبيعي، بل كان البحث فقط عن أرض منبسطة مع محاولة توضيبها من أجل أن تصبح صالحة لتدحرج الكرة، أبرزها في فرق الأحياء حيث كان البحث عن مكان منبسط أو تجزئة سكنية للعب كرة القدم، إذ لم تكن هناك، وفق تعبيره، مدرجات أو شباك بل يتم وضع أحجار عوضا عنها.
أول ناد في تاريخ المغرب
بعد سنة واحدة من التوقيع على عقد الحماية سنة 1912، وبالضبط سنة 1913، تم تأسيس أول نادٍ مغربي، وهو الاتحاد الرياضي البيضاوي، حيث كان مؤسسو هذا الفريق من الفرنسيين ولقي دعمًا كبيرًا من الإقامة العامة الفرنسية ورجال الأعمال والاقتصاد الفرنسيين في المغرب.
وحسب اليازغي، فإن الظروف التي واكبت تأسيس هذا النادي كانت صعبة خاصة أنها جاءت عقب توقيع الحماية في 30 مارس 1912 في فاس، تبعها توقيع معاهدة فرنسية إسبانية حول الحماية على المنطقة الخليفية في طنجة، التي أصبحت تحت الحماية الإسبانية في أبريل من نفس السنة.
وعن أسباب ودواعي تأسيس الاتحاد الرياضي البيضاوي، فيقول اليازغي إن الإقامة الفرنسية اعتبرت الرياضة وسيلة لضمان الاستقرار والهيمنة إلى جانب الاقتصاد والمجتمع ضمان مصالح الفرنسيين الموجودين في المغرب، كما جاء في مخرجات مؤتمر الخزيرات الذي جرى في الجزيرة الخضراء بإسبانيا سنة 1906.
ويحكي الباحث في السياسات الرياضي أن “الفرنسيون، بعد توقيع الحماية، كانوا أشخاصا يمارسون كرة القدم في فرنسا، وكان بطبيعة الحال، وفق تعبيره، أن تضمن لهم الإقامة الفرنسية فرصة خوض كرة القدم في المستعمرة الجديدة أو البلد الذي يخضع للحماية وهو المغرب، فكانت انطلاقة بعض الممارسات الرياضية، من بينها كرة القدم والريغبي أيضا، خاصة من طرف البحارة والعساكر، قبل أن يتم المرور إلى تأسيس أول فريق في المغرب في أبريل 1913، وهو الاتحاد الرياضي المغربي ” USM
ورغم أن مؤسسي الاتحاد الرياضي المغربي كانوا فرنسيين، إلا أن هذا الفريق يعد عميد الأندية المغربية وظل فريقا محوريا، بحكم أنه على مدار وجوده على مستوى فريق كرة القدم، منذ 1913 إلى 1958، منح نفسًا لكرة القدم بالمغرب وأعطى انطلاقة لفرق أخرى لتتأسس، ولعب أيضًا دورًا أمام الأندية الوطنية في مرحلة ما بعد تأسيس الأندية الوطنية.
تأسيس الأندية الوطنية والتواجد الجزائري
يحكي منصف اليازغي، الدكتور الباحث في السياسات الرياضية، أن المغرب عرف خلال منتصف العشرية الثانية من القرن الماضي تنظيم بطولة مصغرة مكونة تقريبًا من ستة فرق إلى ثمانية فرق، جميعها فرنسية، حيث لم يكن هناك أي فريق مغربي، وفق تعبيره، إذ تواجدت أندية تابعة للجيش الفرنسي، وأندية تابعة لبعض الشركات الموجودة في المغرب، إضافة إلى فريق جزائري في البطولة المغربية.
كانت البطولة تجمع بين محيط جغرافي صغير جدًا إذ لم تكن هناك تنقلات كثيرة للأندية، وكانت تنتهي في الغالب في شهر أو شهر ونصف، إذ لم تكن البطولة آنذاك بالشكل الحالي نظرًا لقلة الأندية وصعوبة التنقل ووجود إكراهات كثيرة، فكانت البطولة تجري مباشرة تحت إشراف مؤسسة جهوية تابعة لفرنسا.
ولم يتم تنظيم بطولة رسمية إلا سنة 1922، عندما تم تأسيس العصبة المغربية لكرة القدم (LMF) التي تتبع للجامعة الفرنسية، التي صادقت على وجودها في 1923، وانطلقت بعدها البطولة وفق جهاز يشرف عليها في المغرب.
بالمقابل، استمر تأسيس الأندية المغربية بين سنوات 1914 و1920، رغم اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914، حيث تأسس اتحاد فاس في 1915، الراسينغ البيضاوي (الراك) في 1919، سطاد المغربي في 1917، إضافة إلى اتحاد آسفي، كما عرفت كرة القدم المغربية بعد تلك السنوات تأسيس عدد من الأندية مثل الراك، الأولمبيك المغربي، والمغرب التطواني.
الأندية المغربية ومحاربة الاستعمار
وبخصوص مساهمة ودور الأندية المغربية في تلك الفترة في تعزيز الروح الوطنية ومقاومة الاستعمار الفرنسي ودعم رموز المقاومة الوطنية، يقول اليازغي إن “أندية كرة القدم التي تأسست في تلك الفترة كانت كلها فرنسية تعكس الوجود الفرنسي ولم يظهر أي فريق مغربي آنذاك بالمفهوم الصريح إلا في سنة 1932، عندما تم تأسيس الاتحاد الرياضي للرباط وسلا، حيث كان هذا الفريق أول فريق وطني يتم تأسيسه في تاريخ المغرب من طرف مغاربة.
وخاض الاتحاد الرياضي الرباطي السلاوي صراعًا مريرًا مع الإقامة الفرنسية من أجل تثبيت لاعبين مغاربة في صفوفه، حيث كان هذا الفريق، حسب اليازغي، مفتاحًا لظهور أندية أخرى، إذ يبقى هو أول فريق مغربي وطني، وبعد ذلك ظهرت أندية وطنية أخرى، خاصة في فترة الأربعينيات.
من جهة ثانية، فقد انتشر في تلك الفترة وصف “الأندية الإسلامية”، حيث كانت الصحافة الفرنسية تطلق على فرق مثل الوداد الرياضي أنها فرق إسلامية، إذ كان هذا المصطلح يستخدمه الإعلام الفرنسي للتفريق بين الأندية التي أسسها الفرنسيون وبين تلك التي أسسها مغاربة.
كان هناك أيضًا أندية أخرى في المغرب، مثل الأندية الإسرائيلية، التي كانت تمارس كرة القدم ضمن نطاق محدود وداخل تجمعات خاصة بها. كما كان هناك تقسيم في التعليم، حيث كانت توجد مدارس فرنسية، مدارس إسلامية، ومدارس إسرائيلية. هذا التنوع لم يقتصر على التعليم فقط، بل شمل أيضًا كرة القدم، حيث كانت الأندية المغربية تُسمى أحيانًا بـ “الأندية الإسلامية” وفقًا لهذا التصنيف الاجتماعي.
ومع توالي تأسيس الأندية الكروية بالمغرب، انتبهت السلطات الفرنسية إلى ضرورة تقنين ممارسة كرة القدم، حيث شعر الفرنسيون في بداية الثلاثينات بخطورة وجود أندية مغربية، حيث لاحظوا أن بعض الأندية بدأت تلعب بـ11 لاعبًا مغربيًا، لذلك أصدرت العصبة في سنة 1931 قرارًا يقضي بضرورة إشراك ثلاث لاعبين فرنسيين أو أوروبيين في الفريق الأول، مقابل خمسة لاعبين فرنسيين أو أوروبيين في فئة الشبان.
هذا القرار، يروي اليازغي، كان صعبًا على الأندية المغربية، إذ فرض عليها تأسيس فرق تحت إشراف فرنسي مع ضرورة ضمان وجود لاعبين فرنسيين وأوروبيين في صفوفها. هذا الأمر خلق صدامًا كبيرًا، وكان يتم التحايل عليه أحيانًا، وكانت الأندية تتعرض لعقوبات من عصبة كرة القدم.
استمر هذا الصراع طويلاً إلى درجة أن عددًا من الأندية الكبرى في المغرب تأسست بواسطة مسؤولين فرنسيين، حيث لجأت الأندية إلى التمويه واستخدمت مؤسسين جزائريين يحملون الجنسية الفرنسية، لأن الجزائريين آنذاك كانوا يحملون الجنسية الفرنسية.
كان المغاربة يرون في الأندية المغربية مثل الرجاء الرياضي والمغرب الفاسي والفتح الرباطي و”مولودية وجدة” أنها تمثلهم، وعندما كانت تُقام مباريات ضد الأندية الفرنسية، كان المغاربة يشعرون أن فوزهم هو فوز معنوي ضد المستعمر الفرنسي، إذ كانت المباراة بمثابة معركة، وكان الجمهور يتفاعل بحماس كبير، لدرجة أن بعض المباريات كانت تنتهي بتدخل القوات الفرنسية، حسب اليازغي.
من صور الصراع المغربي الفرنسي الذي ظهر بين الأندية والإقامة الفرنسية أو العصبة المغربية كان يتعلق بنظام التصويت في الجمعيات العامة، حيث كانت الأندية تحصل على أصوات بناءً على تاريخ تأسيسها، إذ كانت فرق مثل “الياسام” التي تأسست في 1913 تحصل على أصوات كثيرة، بينما فرق مثل “الوداد” التي تأسست في 1937 كانت تحصل على أصوات قليلة.
أول محترف مغربي وغياب المنتخب الوطني
في ذلك الوقت، يؤكد اليازغي، لم يكن هناك أي تواجد للمنتخب المغربي إذ لم يتم إحداث هذا الأخير إلا في نهاية العشرينات، حيث أتيحت الفرصة لخوض مباراة ضد المنتخب الفرنسي “الثاني”، وكان المنتخب مشكلًا بالكامل من لاعبين فرنسيين، مبرزًا أن المغاربة لم يتعودوا بعد في تلك الفترة على ممارسة كرة القدم، بل كانت كرة القدم في المغرب تُعتبر أحيانًا خروجًا عن الأخلاق أو تقليدًا للمستعمر الفرنسي.
ووفق الباحث في السياسات الرياضية، فاللاعب المغربي الذي برز في العشرينات هو عبد السلام اللنجري، وتعود أصوله من الشمال وبالضبط من طنجة، وكان أول محترف مغربي استطاع أن يتجاوز الحدود الجغرافية للمغرب وتوجه إلى إسبانيا ولعب في فريق إشبيلية، ولعب أيضًا في فريق لانس الفرنسي وكان يُلقب “عبد السلام بوطينة” بسبب بطنه البارز.
ظروف تأسيس الوداد
يحكي الدكتور الباحث في السياسات الرياضية، منصف اليازغي، أن تأسيس نادي الوداد الرياضي عرف ظروفا خاصة سنة 1937، قبل إحداث فرع كرة القدم سنة 1939 إذ كان المؤسسون وراءه شخصيات بارزة آنذاك، حيث كان غالبهم إما ينتمي إلى الحركة الوطنية أو انضم لاحقا إلى حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال في فترة الأربعينيات.
ويرى اليازغي أن “فريق الوداد هو قصة جميلة لم تنل حقها في التوثيق والتاريخ بشكل موضوعي”، معتبرا أن النادي كان لديه دور اعتباري مهم جدًا في تلك الفترة، كما أن الوداد عندما تأسس، كان من حظه، أنه مع لعب في القسم الأول مباشرة، لأن سنة 1939 صادفت انطلاق الحرب العالمية الثانية، وأيضًا شهدت تلك الفترة خسارة مذلة لفرنسا أمام النازيين في ظرف عدة أسابيع قليلة، إذ انهزمت فرنسا وتم احتلالها وتم تقسيمها إلى شطرين، شطر تابع مباشرة للنازيين، وشطر جنوبي كان تحت إشراف حكومة فيشي بقيادة الماريشال فيليب بيتان، لكنه كان أيضًا يتبع للنازيين.
آنذاك، وبسبب ظروف الحرب وتمويلها، وبسبب رصد كل المدخرات المغربية والإمكانيات المتوفرة من محاصيل زراعية ووقود وغيرها لصالح المجهود الحربي الفرنسي، تم على مستوى المغرب تجميع البطولة المغربية في إطار تجمعات جهوية، إذ كانت تُنظم مباريات على المستوى الجهوي، سواء في الدار البيضاء، وعلى مستوى الجنوب في مراكش وأكادير، ونفس الأمر بالنسبة للرباط ونواحيها، وسمحت بأن يلعب فريق الوداد مباشرة في القسم الأول.
وحسب الباحث في السياسات الرياضية، فإن “الإشكال الذي وقع هو أنه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، طُرح موضوع عودة فريق الوداد إلى القسم الثاني مع العودة للنظام السابق، وهو ما أثار إشكالًا كبيرًا جدًا.
تقديم وثيقة الاستقلال والتضييق الفرنسي
يروي منصف اليازغي أن الفترة ما بين 1939 و1945، كانت مليئة بالدلالات، إذ عرفت هذه الفترة حدثًا كبيرًا، وهو تقديم وثيقة الاستقلال في 11 يناير 1944. هذا الحدث كان سببًا في وقف نشاط فريق الاتحاد الرياضي الرباطي السلاوي، الذي كان عميد الأندية الوطنية، وأيضا فريق النجاح الفاسي بسبب الأحداث التي عرفتها فترة ما بعد تقديم وثيقة الاستقلال.
كما شهدت تلك الفترة عدة مظاهرات في فاس وفي الرباط، وشارك بعض لاعبي هذه الأندية في تلك الاحتجاجات، بل إن بعض مسؤولي هذين الفريقين، حسب اليازغي، تورطوا في هذه الاحتجاجات، حيث تشير وثيقة إلى أن الاتحاد الرياضي الرباطي السلاوي كان لديه بعض المسدسات وبعض الذخائر، وبالتالي لم يكن فريقًا كرويًا فقط، بل كان الأمر يمزج بين الجانب الرياضي والسياسي.
كما تقرر في تلك الفترة تجميد ظرفي لنشاط ومباريات الوداد واجتهد أعضاء الفريق الأحمر من أجل إعادة نشاط الفريق، إذ تدخل بعض أعضاء المكتب المسير للوداد، وعاد الفريق إلى الممارسة، وكانت تلك فترة حرجة في تاريخ الوداد، لأنه كان آنذاك أحد الأندية الوطنية الكبرى التي كان المغاربة يرون فيها أنفسهم، حيث انتشرت مقولة بالدارجة: “نلعب مع الوداد، ولا بغات تجي الموت تجي”، على اعتبار حمل قميص الوداد كان فخرا.
ما بين 1944 و1950، شهدت الساحة الكروية كثافة في تأسيس الأندية حيث عاد فريق المغرب الرباطي إلى الممارسة وإحداث فريق الفتح الرباطي، الذي يُعد امتدادًا للاتحاد الرباطي السلاوي، كما تأسس الكوكب المراكشي ومولودية وجدة وفريق الرجاء البيضاوي. وبدأت الأندية الوطنية تتأسس بمسيرين مغاربة، ولكن دائمًا وفق الشروط الفرنسية في التأسيس.
بدأ الصراع في نهاية الأربعينيات حول مسألة دخول الأندية المغربية بـ11 لاعبًا مسلمًا، وهو ما تمكنت من تحقيقه سنة 1950، لكن دائمًا كانت الإقامة الفرنسية تقوم بالمراوغة وأحيانًا الضغط، حسب اليازغي.
كرة القدم وتثبيت شرعية محمد الخامس
شهدت سنة 1946 حدثا بارزا بتأسيس العصبة الحرة من طرف محمد اليزيدي والعيساوي، وأيضًا عبد السلام بناني، حيث كانت هناك العصبة المغربية لكرة القدم تحت إشراف الجمعية الفرنسية وتحت إشراف الإقامة الفرنسية، ولكن في المقابل، أُنشئت عصبة حرة لكرة القدم أحدثها وطنيون مغاربة، وأقاموا بطولة مستقلة عن الأخرى كانت تشارك فيها فرق الأحياء التي تطورت لتصبح أندية رسمية بعد الاستقلال.
هذه الأندية، يضيف اليازغي، كانت تلعب بطولات الأحياء، وكانت تشارك أيضًا في كأس العرش، مشيرا إلى أن كأس العرش لم يُحدث في نهاية 1956 بل أُحدث سنة 1946 من طرف العصبة الحرة، وتم إجراء بطولة خاصة بكأس العرش كانت تُقام نهايتها في المشور السعيد بالقصر الملكي الرباط، وكانت تُقام المباراة النهائية بحضور الراحل محمد الخامس وأيضًا الراحل الحسن الثاني.
ساهم هذا المعطى، وفق اليازغي، في تثبيت الشرعية السياسية للسلطان محمد بن يوسف عن طريق كرة القدم بخلق كأس العرش، وأيضًا تثبيت الوجود الوطني على مستوى كرة القدم من خلال خلق مؤسسات تشرف عليها.
ويحكي اليازغي أن هذه الخطوات خلقت انزعاجًا لدى السلطات الفرنسية، إذ دخلت العصبة المغربية، تحت إشراف فرنسي، في مفاوضات من أجل أن يتم ابتلاع العصبة الحرة وإدراجها في البطولة، إذ وقعت مفاوضات بين الطرفين وتم إلحاق محمد اليزيدي بالعصبة المغربية لكرة القدم ليكون ممثلًا للأندية المسلمة، غير أن هذه العملية فشلت ويظهر ذلك في أنه لم تعد الصحافة الفرنسية تقوم بتغطية أنشطة كأس العرش وبطولة الأحياء المغربية.
جدل تأسيس الرجاء
أكد الدكتور الباحث في السياسات الرياضية، منصف اليازغي،أن فريق الرجاء البيضاوي تأسس عام 1948 وذلك في حال الأخذ بعين الاعتبار أن شروط التأسيس ووضع الطلب لإنشاء الفريق هو المعيار وباعتبار أن تسلم الرخصة من السلطات المحلية هو تاريخ التأسيس، مبرزا أن هذا المعيار الذي اتبعته عدة أندية أخرى كالمغرب الفاسي والوداد، وبالتالي فإن تاريخ الرجاء ليس 20 مارس 1949 كما يقول البعض، بل هو 1948، وفق تعبيره.
ويحكي اليازغي أن فريق الرجاء البيضاوي تأسس في ظروف صعبة، حيث تأخر حصوله على الترخيص مما أدى إلى تأخر مشاركته في أول مباراة حتى سنة 1950، كما أن فريق الرجاء لعب في بطولة قسم الهواة قبل أن يصعد إلى القسم الثاني، واستمر فيه إلى غاية الاستقلال، إذ لم يصعد إلى القسم الأول لكنه شارك في كأس شمال إفريقيا، حيث واجه فرقًا تلعب في القسم الأول.
وفي هذا الصدد، دعا اليازغي إلى ألا يتم حصر النقاش بخصوص تاريخ تأسيس الرجاء في مسألة التاريخ، بل يتوجب أن نرى الأندية من خلال الرسالة التي جاءت بها وما حققته وما نشرته في المجتمع الكروي أو المحيط الذي كانت تعيش فيه، معتبرا هذا الأمر صار “متجاوزًا”، لأنه ينبغي أن يعتمد النقاش على وثائق وليس على خلافات بين ناديين عريقين، وألا نقحم أنفسنا في خلافات بين الجماهير.
وتابع: “يجب أن تقتنع الجماهير بأن قوة الوداد تأتي من قوة الرجاء، والعكس صحيح. نحن نفتخر بالفريقين معًا ولا يمكننا أن نستمر بالحديث بخلفية التأسيس والصراعات، كالنقاش حول مشاركة أحدهما في كأس ابن عرفة والآخر في كأس بن بلة، الذي يحمل أحيانًا الكثير من الأكاذيب”.
تأثير اضطرابات 1953
يروي منصف اليازغي أن “هناك بعض المغالطات في توثيق تاريخ كرة القدم المغربي خلال فترة الاستعمار، مثل تصوير الأندية الوطنية كأنها كانت تحمل السلاح ضد المستعمر، وهذا فيه مبالغة، وفق تعبيره، رغم أن بعض اللاعبين اعتُقلوا من قِبل سلطات الحماية الفرنسية، لكن ذلك كان بسبب تجاوزات شخصية أو ارتباطات سياسية، وليس بسبب كرة القدم.
فقد كانت هناك علاقات طبيعية بين الأندية المغربية والفرنسية، حيث شاركوا معًا في مباريات واحتفالات كدوريات رأس السنة، كما أن لاعبين مغاربة مثل العربي بن مبارك لعبوا في فرق فرنسية، وتصوير هذه الأندية كمقاومة للاستعمار فيه تضخيم، وفق اليازغي.
في سنة 1953، حدثت أزمة كبيرة بعد توقيع البشاوات والقياد لعريضة ضد الملك محمد الخامس، مما أدى إلى نفيه وعائلته بظروف مؤسفة، ورغم ذلك، استمرت الممارسة الرياضية بشكل عادي، ولم تكن هناك احتجاجات من الأندية المغربية أو الفرنسية، حيث يحكي اليازغي أن الأمر لم يتجاوز كون الأندية الوطنية تمثل الجانب المغربي في مواجهاتها مع الفرق الفرنسية، ولو كان هناك احتجاج حقيقي، لكانت الأندية رفضت اللعب في العصبة المغربية التي كانت تُشرف عليها شخصيات فرنسية، وفق تعبيره.
اللعب في البطولة “خيانة”
عرفت المملكة المغربية سنة 1955 عدة احتجاجات في مختلف المدن والأقاليم وذلك للمطالبة بالحصول على الاستقلال، ويروي الباحث في السياسات الرياضية، منصف اليازغي، أن “شرعية محمد بن عرفة بدأت تَتَمَلْمَل بشكل كبير، بعد دفعه إلى التوقيع على عدة ظهائر وعدة قوانين لصالح فرنسا، لأن الخلاف الذي حصل بين فرنسا والراحل محمد الخامس هو رفضه التوقيع على بعض الظهائر التي كانت تمس مصالح المغرب بشكل كبير جدًا، فبدأ الحديث على أن عهد محمد بن عرفة سينتهي، وبدأ الكل يتحدث عن عودة الراحل محمد الخامس”.
“في شهر شتنبر 1955 شهد المغرب اضطرابات كبيرة جدًا، حيث يحكي اليازغي أن هذه الوضعية السياسية المضطربة أثرت على بداية البطولة المغربية، إلى درجة أن بعض الوطنيين، خصوصًا من حزب الاستقلال هددوا اللاعبين في الأندية المغربية بعدم اللعب، معتبرين أن اللعب في البطولة يعتبر خيانة وذلك لزعزعة استقرار ومخططات الإقامة الفرنسية سواء في الاقتصاد أو في أشياء أخرى، من بينها الرياضة و كرة القدم”.
العصبة المغربية لكرة القدم حاولت، من خلال من خلال تصريحات شارل كريغر، على الخصوص، الذي كان على رأس العصبة، الدعوة إلى نفصل كرة القدم عن السياسة وممارسة كرة القدم بعيدًا عن السياسة، وهو يتناقض مع نفسه؛ حسب اليازغي، لأن الإقامة الفرنسية وظفت كرة القدم في الجانب السياسي بشكل كبير، لكن عندما رأوا اضطرابات بدأوا في الترويج لهذا الخطاب، وفق تعبيره.
وبذلك، لم تفلح البطولة في الانطلاق، وتم المرور إلى نظام آخر، والعودة لنظام سنة 1939 وهو مسألة البطولات الجهوية التي تقوم على أن الأندية التي كانت تلعب في القسم الهواة والقسم الثاني والقسم الأول ستلعب على مستوى الجهات فيما بينها، وبالتالي سنجد، حسب اليازغي، بأن فريقا كان يلعب في القسم الثاني أو الثالث في مدينة الدار البيضاء سيجد نفسه يلعب أمام الوداد وأمام الاتحاد الرياضي المغربي، لكن حتى هذا النظام لم ينجح، حسب اليازغي، لأن المباريات لم تلقَ انتباهًا من طرف الجمهور.
واعتبرت الأندية أنه من غير المعقول أن تلعب فرق مثل الوداد مع فرق صغير جدًا، فكان مآل هذا النظام الفشل وتم الحديث بشكل رسمي على إنهاء فترة هذا المشروع وبدأت ملامح وجود تغيير منذ أول حكومة مغربية في 7 دجنبر 1955، تحت إشراف رئيس الوزارء آنذاك، البكاي لهبيل.
مرحلة انتقالية قبل تأسيس الجامعة
هذا المعطى، يحكي اليازغي، فتح كرة القدم المغربية أمام معطيات جديدة، من بينها أن العصبة المغربية اقتنعت بأنه موازاة مع دخول مفاوضات المغرب نحو الاستقلال مرت هي بدورها إلى مفاوضات من أجل خلق مرحلة انتقالية صوب الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وكان الإعلان رسميًا بأن العصبة المغربية ستساهم في تلك المرحلة الانتقالية، حيث شهدت فترة ماي ويونيو 1956 اجتماعات متكررة بين أعضاء من العصبة المغربية والوطنيين الموجودين في العصبة الحرة لكرة القدم من أجل خلق الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
وتم إحداث لجنة مؤقتة لإحداث الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمت أعضاء من العصبة الفرنسية والعصبة المغربية لكرة القدم وأعضاء مغاربة كانوا في العصبة المغربية لكرة القدم، حيث كانت العصبة الفرنسية تضم مغاربة بينهم أبو بكر الزراق ثم أعضاء آخرين من العصبة الحرة، وتم تشكيل مجموعة من 15 عضوا بدأت في التجهيز لإحداث الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
بعد ذلك، تم المرور إلى السرعه القصوى من أجل إحداث الجامعه الملكيه المغربيه لكره القدم في الجمع العام الذي جرى بالدار البيضاء يوم 26 يناير 1957، حيث يرى اليازغي أن تاريخ الانطلاق الفعلي للجامعه الملكيه المغربية لكره القدم في 26 يناير 1957، غير أن شهر يونيو 1956 شهد إحداث اللجنة التي ستقوم بالإشراف على تجهيز الجمع العام الخاص بالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
لاعبون بارزون وظاهرة العربي بن مبارك
يعتبر العربي بن مبارك أحد أفضل اللاعبين الذي أنجبتهم الكرة المغربية عبر التاريخ، حيث كان، حسب اليازغي، ظاهرة بامتياز، وحمل لقب “الجوهرة السوداء” في إسبانيا، بعد أن تألق في صفوف الاتحاد الرياضي المغربي ليحترف في الديار الفرنسي ثم ينضم بعد ذلك بأتلتيكو مدريد الإسباني.
يروي اليازغي إن العربي بنمبارك عندما توجه إلى أتلتيكو مدريد فاز بلقب البطولة الإسبانية متغلبا على أندية برشلونه وريال مدريد بلاعبيها الكبار، ورغم ذلك يتحسر الباحث في السياسات الرياضي على طريقة معاملة بنمارك في المغرب وعدم تخصيص تكريم يليق بهذا اللاعب الفذ.
من أبرز اللاعبين الذي ظهروا في المغرب في فترة ما قبل الاستقلال، عبد الرحمان بلمحجوب الذي شارك رفقة المنتخب الفرنسي في كأس العالم 1954، فيما أشار اليازغي إلى أن هذه الفترة لم تحظ بالتوثيق اللازم رغم الجيل التاريخي الذي عرفته من الأساطير المغربية الكروية.
المغرب التطواني لم يشارك في “الليغا”
يحكي منصف اليازغي أن المغرب كان مقسما في عهد الحماية إلى منطقة سلطانية ومنطقة خليفية عاصمتها تطوان تحت حكم الخليفة حسن بن المهدي التابع للسلطان محمد بن يوسف، ومنطقة دولية متمثلة في مدينة طنجة ثم منطقة الصحراء التي كانت تحت النفوذ الإسباني.
يؤكد اليازغي أن فريق المغرب التطواني في تلك الفترة يختلف عن المغرب التطواني الحالي، حيث يكشف أن فريق “مغرب أتلتيك تطوان”، الذي تأسس خلال فترة الحماية، شارك في الدوري الإسباني، حيث استضاف أندية كبرى مثل ريال مدريد وبرشلونة وأتلتيكو مدريد في ملعب سانية الرمل.، غير أن هذا الإنجاز التاريخي يُنسب بشكل خاطئ إلى فريق “المغرب التطواني” الحالي، لكن الواقع مختلف؛ فـ”المغرب التطواني” الحالي تأسس بعد الاستقلال ولا يمت بصلة مباشرة إلى الفريق السابق الذي غادر إلى مدينة سبتة بعد خروج الإسبان من المغرب، هذا الخلط التاريخي يُعتبر، حسب اليازغي، من أبرز المغالطات التي تُرتكب في توثيق تاريخ كرة القدم المغربية.
فعقب الاستقلال، يضيف الباحث في السياسات الرياضية، واجهت الأندية الشمالية مثل “مغرب أتلتيك تطوان” و”الاتحاد الرياضي لطنجة” صعوبات في الانضمام إلى الدوري المغربي، لأن القائمين على الشأن الكروي آنذاك رفضوا دمج هذه الفرق بحجة مشاركتها السابقة في البطولات الإسبانية وهذا القرار كان مثيرًا للجدل، خصوصًا أنه تزامن مع سماح أندية مغربية أخرى، مثل الوداد البيضاوي والمغرب الفاسي، بالمشاركة في كأس فرنسا أثناء فترة الحماية الفرنسية، مبرزا أن هذا التباين في التعامل عكس غياب معايير موحدة ويطرح تساؤلات حول الظلم الذي تعرضت له الفرق الشمالية.
فريق “مغرب أتلتيك تطوان” كان يمثل تجربة استثنائية في تاريخ الكرة المغربية، يروي اليازغي، حيث ضم لاعبين مغاربة بارزين مثل اللاعب شيشا، الذي كان ظاهرة كروية في زمانه ولفت أنظار الأندية الإسبانية لكنه اختار اللعب محليًا في فرق مثل “الياسام” والفتح الرباطين إذ كان هذا الفريق جزءًا من منظومة رياضية أشرفت عليها “الجامعة الإسبانية المغربية”، التي كانت تُنظم البطولات الجهوية في المنطقة الخليفية، مما أتاح لبعض الفرق اللعب في الأقسام الثانية والأولى من الدوري الإسباني.
الملك محمد الخامس يحكم نهائي كأس العرش
بعد حصول المغرب على استقلاله في نونبر سنة 1956، جرى إحداث البطولة الوطنية بمختلف أقسامها بالاعتماد على نظام التصفيات، كما تم إجراء أول نهائي لمنافسات كأس للعرش والذي جمع بين مولودية وجدة والوداد الرياضي.
يحكي الدكتور الباحث في السياسات الرياضية، منصف اليازغي، أن “هذه المباراة تعتبر من الأحداث التي تحتفظ بها ذاكرة الناس الذين حضروا من الملعب، حيث حضرها الملك الراحل محمد الخامس، وقد كانت أول مباراة يحضرها في إطار المغرب المستقل، وكانت مباراة كأس العرش التي تم تحديدها في تاريخ جلوسه على العرش في 18 نونبر 1927، وهو تاريخ جلوسه على العرش”.
في هذه المباراة، يروي اليازغي، وقع حدث مثير، حيث انتهت المباراة بالتعادل بهدف لمثله وكان القانون في ذلك الوقت ينص على أنه في حالة التعادل يتم الترجيح لفريق من لديه أكبر عدد من الركنيات، وتم اللجوء إلى هذا الأمر غير أنه تبين التساوي في هذا الجانب، ليتم التوجه إلى المسؤول عن الرياضة في ذلك الوقت، أحمد بن سودة، الذي كان كاتب دولة للشيبة والرياضة وكان فقيهًا خريج القرويين، لكنه لم يكن يعرف الكثير عن كرة القدم.
بعد ذلك، تقرر التشاور مع الملك محمد الخامس الذي أصدر فتوى بحسن نية دون أي خلفية، وفق اليازغي، وقال إن الفريق الذي سجل أولًا هو الذي فاز، وبالتالي تم منح كأس العرش لمولودية وجدة رغم أن فريق الوداد لازال يرى أنه تعرض للظلم، وكان يمكن أن يتم اللجوء إلى إجراءات أخرى في ذلك الوقت.
وحسب المتحدث ذاته، فقانون الاتحاد الدولي لكرة القدم باللجوء للأشواط الإضافية أو ضربات الجزاء عند نهاية الوقت الأصلي بالتعادل لم يكن قد تم تطبيقه في المغرب بعد، إذ لم يكن المغرب منخرطًا في الاتحاد الدولي أو الاتحاد الإفريقي في تلك الفترة، مشيرا إلى أن الاعتماد على من يتوفر على أكبر عدد من الركنيات هو الفائز كان تركة من الاستعمار الفرنسي.
ويعتبر اليزاغي أن البطولة كانت فرصة لتثبيت شرعية المغرب بعد الاستقلال، حيث انطلقت البطولة المغربية بعد ذلك، وكانت تضم أندية مغربية ذات تاريخ طويل قبل الاستقلال، مع تواجد فرق من الأحياء، إذ منحها نظام التصفيات الفرصة لتكون في القسم الأول والثاني، مثل فريق التقدم وفريق الحي الصناعي في الرباط.
ومن هنا، يحكي اليازغي أن البطولة المغربية بدأت بطريقة غير متوازنة، حيث كانت هناك فرق قوية مثل الكوكب المراكشي والوداد والرجاء ومولودية وجدة، بينما كانت هناك فرق أخرى ضعيفة على المستوى التاريخي.
تأسيس المنتخب المغربي وأول مباراة في تاريخه
في 1957، يؤكد منصف اليازغي، تم تشكيل أول منتخب مغربي لكرة القدم بعد الاستقلال، إذ كانت المناسبة هي الألعاب العربية في بيروت في أكتوبر 1957 وتم تعيين العربي بن مبارك مدربًا للمنتخب المغربي وكان معه قاسم قاسمي مساعدًا له، فبعد نهاية احترافه في أوروبا، عاد العربي بن مبارك للعب مع فريق اتحاد بلعباس الجزائري ثم انتقل للعب مع الفتح الرباطي في موسم البطولة الأول قبل أن يتم تعيينه كمدرب للمنتخب المغربي.
وكانت أول رحلة للمنتخب المغربي إلى بيروت للمشاركة في البطولة العربية، وكانت أول مباراة ضد العراق وانتهت بالتعادل 3-3، وكان أول عميد للمنتخب المغربي هو محمد بلخير، لاعب مولودية وجدة، وضم الفريق أبرز اللاعبين من بينهم المحترفين الذين كانوا يلعبون في الخارج، ولاعبون مثل محمد رفقي من الوداد والحسين الزاز، بالإضافة إلى لاعبين آخرين.
وحسب اليازغي، ففي تلك البطولة التي نظمت في لبنان حدثت بعض الأمور في نصف النهائي كانت غير مرضية للمغرب، حيث وقع ظلم في محاولة لمنح الكأس لفريق آخر، وهو ما جعل المغرب ينسحب من المباراة الترتيبية، وعلى عكس ما يقول البعض، لم يفز المغرب في البطولة العربية، بل انسحب من المباراة الترتيبية ولم يلعبها، حسب اليازغي.
ومرت هذه البطولة بأحداث كبرى وصراعات بين اللاعبين، خصوصًا بين الحارس محمد رفقي والعربي بن مبارك، حيث وقع شجار كبير في الفندق وتم احتواء الأمر، وذلك لأنه في الوقت نفسه، كان الراحل مولاي عبد الله، شقيق الحسن الثاني، يستعد لحفل خطوبته على لمياء الصلح اللبنانية.
انطلاق البطولة وكأس العرش وانقلاب 1971
انطلقت البطولة وانطلقت مسابقة كأس العرش، وبدأ المنتخب الوطني في المشاركة، كما كان المغرب يمتلك بنية تحتية للملاعب، حيث كانت هناك منشآت رياضية تركتها فرنسا، مثل ملعب محمد الخامس، الذي اكتمل بناؤه في مارس 1954 وكان يُسمى حينها “الملعب الشرفي”، كما أطلق عليه لاحقًا اسم ملعب “سيردون”، وهو ملاكم مغربي-فرنسي عاش في المغرب.
وكانت البنية التحتية الرياضية التي تركتها فرنسا متوفرة إلى حد ما في المغرب، غير أن المشكلة بدأت بالظهور لاحقًا في عام 1975 حيث أجرت وزارة الشباب والرياضة دراسة لتقييم الوضع وتبيّن أن البنية التحتية الرياضية لم تعد ملائمة للنمو الديموغرافي وتزايد الأنشطة الرياضية، ووجد المغرب نفسه أمام نقص كبير في هذا الجانب.
ويعتبر اليازغي أن المغرب استفاد من البنية التحتية التي تركتها فرنسا ومن التنظيم الذي أسسته على مستوى مختلف الرياضات، خاصة كرة القدم، وحتى الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم الأولى، كان فيها مسؤولون فرنسيون استمروا في العمل بها.
وعلى عكس ما يعتقد البعض، لم تكن هناك قطيعة كاملة بعد الاستقلال، بل كانت هناك عملية انتقالية سلسة، والعديد من الفرنسيين استمروا في وظائف مختلفة بالمغرب، سواء كأساتذة أو موظفين أو أطر تقنية، وحتى على مستوى كرة القدم، حيث بقي لاعبون ومسؤولون فرنسيون نشطين، وفق اليازغي.
وبالنسبة لمسابقة كأس العرش، كانت تقام في القصر الملكي بالرباط، بحضور الملك الراحل محمد الخامس أو الحسن الثاني، بعد الاستقلال، أصبحت كأس العرش حدثًا رئيسيًا في تاريخ كرة القدم المغربية، حيث تطمح جميع الفرق للمشاركة فيها، خاصة أنها على عكس البطولة الوطنية، تُجرى بين جميع الأندية بدون استثناء، من أصغر الفرق إلى أكبرها، كما كان فريق مجد المدينة هو أول فريق يفوز بكأس العرش سنة 1946، وفق النظام الذي كان تحت إشراف العصبة الحرة لكرة القدم.
مسابقة كأس العرش كانت تُقام دائمًا تحت رعاية أحد أفراد الأسرة الملكية، وخاصة الراحل الحسن الثاني، الذي كان يحرص على حضور المباريات النهائية، حتى في فترات انشغاله، كان القصر الملكي يحدد مواعيد المباريات النهائية بشكل يتناسب مع جدول أعماله.
وأحيانًا، كانت تُقام ثلاثة نهائيات في عام واحد، أو يُجرى نهائيان في يوم واحد بسبب مشاكل بروتوكولية أو ظروف صحية للملك الحسن الثاني خلال التسعينيات، وبعد ذلك، واصلت الأسرة الملكية تقليد الحضور، سواء من خلال الأمير مولاي رشيد أو ولي العهد مولاي الحسن.، ويؤكد اليازغي أن كأس العرش يحمل رمزية كبيرة ويعزز صورة القصر الملكي في هذه المسابقة.
تضامن المغرب مع الجزائر
يروي الدكتور الباحث في السياسات الرياضية منصف اليازغي، أن تاريخ الكرة المغربية عرف حدثا تاريخيا في أواخر خمسينيات القرن الماضي في علاقة بالمغرب والجزائر، حيث كانت هذه الأخيرة ما تزال تحت الاحتلال الفرنسي، إذ لم تستقل إلا في سنة 1962.
وقامت الجزائر، حسب اليازغي، بخطوة رائعة في فرنسا عن طريق لاعبيها المحترفين في فبراير 1958، حيث تم باتفاق سري بين اللاعبين الجزائريين المحترفين في فرنسا أن يغادروا فرنسا ويتوجهوا إلى تونس لتأسيس منتخب جبهة التحرير الجزائرية، وتم الأمر بشكل سري، حيث كان اللاعبون نجوما كبارًا في أنديتهم الفرنسية، وكانوا يتقاضون أجورًا مالية مرتفعة جدًا، وضمت القائمة لاعبين يلعبان مع المنتخب الفرنسي آنذاك، وهما المخلوفي والزيتوني، بالإضافة إلى لاعبين آخرين مثل بن طيفور، ورواري، الذين كانوا مؤثرين في أنديتهم الفرنسية.
وفي فبراير 1958، توجه اللاعبون الجزائريون إلى تونس للمشاركة في دوري رياضي يحمل اسم جميلة بوحيرد، المناضلة الجزائرية، وقرر المنتخب المغربي التوجه بكامل تشكيلته للمشاركة في هذا الدوري الدولي أمام منتخب جبهة التحرير الجزائرية.
هذا القرار لم يكن سهلاً، حسب اليازغي، حيث تطلب موافقة السلطات المغربية والقصر الملكي آنذاك، وذلك في عهد رئيس الجامعة الملكية المغربية آنذاك، محمد اليزيدي، والرئيس الفعلي عمر بوستة، مشيرا إلى أن هذا القرار كان يتطلب موافقة سياسية، لأن المنتخب المغربي كان يمثل دولة المغرب ويرفع العلم المغربي في مواجهة منتخب غير معترف به من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم، وهو منتخب جبهة التحرير الجزائرية، مما سبب توترًا في العلاقات المغربية الفرنسية.
تجميد للعضوية وموقف تاريخي لمحمد الخامس
تسبب هذا الحدث في ردود فعل غاضبة من الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، حيث رفع شكوى إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي قرر معاقبة المنتخب المغربي بالإيقاف لمدة سنتين بسبب مشاركته في ماي 1958 بتونس أمام منتخب جبهة التحرير الجزائرية.
وفي رواية منقولة عن الملك الراحل محمد الخامس، يقال إنه عندما تم إخباره بأن “الفيفا” ستحكم على المغرب بالإيقاف لمدة سنتين، قال: “إذا لم تكفهم السنتان، فليجعلوها أربع سنوات، نحن مع إخواننا الجزائريين”، كما أن المغرب لم يكتفِ بهذا الأمر، بل استضاف منتخب جبهة التحرير الجزائرية في سبع مدن مغربية، وهي الرباط، الدار البيضاء، مكناس، فاس، مراكش، وجدة، وطنجة.
وكان منتخب جبهة التحرير الجزائري قويًا، حيث تمكن من الفوز على فريق جهة طنجة بنتيجة 7-0، كما تم تكريم المنتخب الجزائري في المغرب بشكل كبير وغير مسبوق، حيث كانت المباريات تدر مداخيل تُمنح للمنتخب الجزائري بالإضافة إلى المكافآت التي يتلقاها من السلطات المغربية دعما لمساعي حصول الجزائر على الاستقلال.
من المفارقات المهمة، حسب اليازغي، أن منتخب جبهة التحرير الجزائري، رغم دعمه من الدول العربية سياسيًا، لم يجد نفس الحفاوة رياضيًا، فعلى سبيل المثال، لم يلعب في مصر، رغم دعمها الكبير للثورة الجزائرية، أي مباراة مع هذا المنتخب، وكذلك سوريا ودول عربية أخرى، كما أن الدول التي تجرأت على اللعب مع المنتخب الجزائري كانت من أوروبا الشرقية، وكانت المباريات تُجرى مع فرق عمالية أو مهنية.
أما المغرب، يؤكد اليازغي، فقد ضحى بعلاقاته مع فرنسا وبمنتخبه الوطني، ولم يهتم بالعقوبات التي فُرضت عليه، بل لعب بالمنتخب الوطني واستضاف المنتخب الجزائري بكل ترحاب، وبسبب هذا الموقف، حُرم المغرب من المشاركة في كأس إفريقيا لعام 1959 ومن تصفيات الألعاب الأولمبية لعام 1960، كل ذلك بسبب وقوف المغرب إلى جانب الجزائر رياضيًا وسياسيًا، وفق تعبيره.
والتزم المغرب بمساعدة الثورة الجزائرية منذ اندلاعها سنة 1954 دون حدود ولا شروط بتوفير الدعم المادي والسلاح، وعلى المستوى الرياضي كان المغرب داعما كبيرا في تأسيس الحركة الرياضية داخل الجزائر، حيث إن الملك الراحل الحسن الثاني وكان حينها وليا للعهد، ساهم بشكل قوي في تأسيس المنتخب الجزائري من خلال تشجيع المرحوم عبدالله السطاتي وكان حينها لاعبا محترفا في فرنسا، على تنفيذ عملية هروب اللاعبين الجزائريين المحترفين من فرنسا في 1958 والتحاقهم بصفوف جيش التحرير.
وعرفت البطولة آنذاك انسحاب المنتخب الوطني للجمهورية العربية المتحدة، خوفا من تهديدات «فيفا»، بعد أن قرر عدم اللعب، ولم يتراجع المغرب، عن دعم المنتخب الجزائري، رغم عقوبات “الفيفا”، ووجه له الدعوة للحضور إلى البلاد، وإجراء مباريات مع منتخبات المناطق المغربية، ويوم 13 نونبر 1958 وصل منتخب الثورة الجزائرية إلى الرباط وحظي باستقبال شعبي ورسمي كبير.
وتقابل منتخب الثورة يوم 18 نونبر من سنة 1958 مع منتخب منطقة الدار البيضاء، وحضر المباراة الملك الراحل محمد الخامس وجمهور واسع وكبير، وفي 21 نونبر تقابل مع منتخب منطقة الرباط وحضر المقابلة الأمير مولاي عبد الله والمطربة الجزائرية وردة، ثم أجرى مباريات أخرى مع منتخبات المناطق، وخلال تلك الجولة، تم جمع الأموال لدعم الثورة الجزائرية ومنتخبها.
كما يحكي الباحث في السياسات الرياضية أنه قبل الاستقلال، كان المغرب ينظم مباريات لجمع الأموال لصالح الطلبة الجزائريين في فاس، كما كان يجمع الأموال لصالح جرحى الحرب الجزائريين، وكان اللاعبون الجزائريون يلعبون في المغرب دون أن يدرك المغاربة أنهم جزائريون، لدرجة أن سكان وجدة لم يعرفوا أن بعض اللاعبين كانوا جزائريين إلا بعد استقلال الجزائر والتحاقهم ببلادهم.
وقال اليازغي تعليقا على هذا الحدث: “هذه التجربة أعتبرها درسًا مهمًا، ولو أن الإخوة الجزائريين تمعنوا فيها ودرسوها بعناية، ربما كانوا سيدركون أن هذا الخلاف أو التصعيد الذي يثيرونه ضد المغرب لا مبرر له على الإطلاق. فقد كانت هذه التجربة كانت رائدة وفريدة ولم تكررها أي دولة أخرى، وكان للمغرب دور كبير جدًا في نجاحها، ورغم أنها تجربة جزائرية، فإن المغرب لعب دورًا كبيرًا في تحقيق نجاحها.
وتابع: “هذا الحدث أرويه وأشعر بمرارة حين أتحدث عنه، لأن ما وقع يظهر كيف أن المغرب، سياسيًا ورياضيًا، وقف إلى جانب الجزائر، وهذها الحدث يكفي وحده لإظهار مدى التضحيات التي قدمها المغرب من أجل الجزائر، دون التطرق لباقي الأحداث والتضحيات الأخرى التي قدمها المغرب قبل استقلال الجزائر”.
تأسيس الجيش الملكي
انطلقت فكرة تأسيس نادي الجيش الملكي سنة 1958، حيث يعتبر الدكتور الباحث في السياسات الرياضية، منصف اليازغي، أن شخصية الملك الراحل الحسن الثاني لعبت دورا حاسما في قبول الشارع المغربي والفاعلين الرياضيين لإحداث ناد عسكري يلعب في بطولة مدنية ويستفيد من ميزانية الدولة المخصصة لإدارة الدفاع الوطني.
ويروي اليازغي أن شخصية الملك الراحل الحسن الثاني كانت شخصية فريدة من نوعها ولن تتكرر، حيث كان يمتلك خبرة واسعة في مجالات السياسة والقانون والدبلوماسية والفنون، وفق شهادات الأشخاص الذين عاشوا معه وحضروا مجالسه، إضافة إلى ذلك، كان يتمتع بدراية كبيرة في المجال الرياضي، وخاصة كرة القدم، حيث كانت معرفته بهذا المجال مثيرة للإعجاب، على حد قوله، كما كان الحسن الثاني شغوفًا بكرة القدم وممارسًا لها فقد كان يتدخل في بعض الأحيان لإعطاء توجيهات للاعبين بشأن الخطط التكتيكية التي كان يعتمدها المنتخب المغربي، وقد وصفه العديد ممن عايشوه، بما في ذلك تقنيون محترمون، بأنه “موسوعة كروية”.
في عام 1958، جاءت فكرة تأسيس فريق الجيش الملكي، وهو مشروع أثار بعض الجدل في ذلك الوقت، إذ تساءل البعض عن كيفية إنشاء فريق عسكري في تلك الفترة، وفي هذا الصدد ذكر محمد مجيد، الرئيس السابق للجامعة الملكية المغربية للتنس وعضو المجلس الأعلى للرياضة آنذاك، أن المشروع عُرض عليهم وتمت الموافقة عليه بعد أن اقتنعوا بجدواه، حيث يحكي أنه رافق الحسن الثاني في سيارته وناقشوا المشروع وتم الاقتناع بفكرة أن هذا الفريق سيكون قاطرة لباقي الأندية المغربية، نظرًا للإمكانات التي ستوضع تحت تصرفه.
وفي وقت لاحق، ظهرت مذكرات لأحد العسكريين المغاربة في تلك الفترة، حيث أشار إلى أنه هو صاحب فكرة تأسيس الفريق، وأنه قدمها أولاً للحكومة قبل أن تُعرض على الحسن الثاني، الذي تبنى الفكرة وقام بتنفيذها، وتم إحداث الفريق بالاعتماد على تجميع اللاعبين المتواجدين في الثكنات العسكرية من بينهم الجنرال دوكور دارمي والقائد السابق للدرك الملكي، حسني بنسليمان الذي لعب في صفوف الفريق العسكري وشارك في المباريات الأولى للفريق.
الصعود للقسم الثاني مباشرة
الإشكال الذي أثار الجدل في الشارع الرياضي المغربي آنذاك، حسب اليازغي، كان إدراج فريق الجيش الملكي مباشرة في القسم الثاني بدلاً من انطلاقه من الأقسام السفلى كما جرت العادة، وقد اعتبر البعض أن هذا الإجراء تجاوز القوانين والأعراف الرياضية، ومع ذلك، تشير الروايات إلى أن الفريق لعب مباراة فاصلة مع فريق جمعية سلا، وتمكن من الفوز بحضور الحسن الثاني، الذي كان يشاهد المباراة من أرضية الملعب.
لعب فريق الجيش الملكي أول مباراة له مع فريق اتحاد آسفي، وكان المدافع عزوز بن فايدة هو أول من سجل هدفاً لفريق الجيش الملكي في القسم الثاني خلال أول مباراة رسمية ضمن البطولة وانتهت المباراة بفوز الفريق برباعية نظيفة، وكانت انطلاقة الفريق قوية في تلك السنة، حيث حقق انتصارات كبيرة وبحصص عريضة، بفضل المجموعة المتميزة من اللاعبين التي كان يمتلكها.
في البداية، استعان الفريق باللاعب السابق لنادي الوداد، الشتوكي، لكنه لم يستمر معهم طويلاً، حيث تم استقدام المدرب الفرنسي كليزو، الذي كان أحد الفرنسيين المقيمين في المغرب، ولعب لفريق الجمعية الرياضية الرباطية وكذلك فريق الفتح الرباطي قبل أن يتم إدراجه ضمن فريق الجيش الملكي، وفي تلك الفترة، بدأ الفريق باستقطاب لاعبين كبار مثل العماري، مختطيف، وزناية، والعديد من اللاعبين الذين قدموا مسيرة قوية للفريق.
جدل التتويج بكأس العرش والامتيازات المالية
تمكن فريق الجيش الملكي من الفوز بكأس العرش أمام فريق مولودية وجدة، الذي كان يمتلك لقبين سابقين لكأس العرش، ويحكي اليازغي أن هناك بعض الروايات الموثوقة التي تقول إنه كان هناك تدخل لجعل فريق مولودية وجدة يخسر المباراة أمام الجيش الملكي، خاصة وأن المباراة حضرها الراحل الحسن الثاني.
في تلك الفترة، اعتبرت بعض الأندية أن فريق الجيش الملكي حصل على امتيازات كبيرة، نظرًا للإمكانيات المالية الهائلة التي كان يتمتع بها بدعم من ميزانية الدولة، حيث كانت المؤسسة تحت إشراف ولي العهد آنذاك، وكان الفريق يعرف بفريق “ولي العهد” أو فريق “مولاي الحسن”، مما جعل له جمهوراً كبيراً يمتد عبر مختلف أنحاء المغرب، وخاصة في جهة الرباط، حيث كان مدعوماً من إدارة الدفاع الوطني، وكانت ميزانيته تأتي من جمعية الأعمال الاجتماعية التابعة للجيش الملكي.
قصص مثيرة وأحداث تاريخية
من بين الأحداث المثيرة في تاريخ الفريق كان موسم 1960، الذي انتهى بتساوي ثلاث فرق في الصدارة بنفس الرصيد من النقاط وهي الرجاء والنادي القنيطري، والجيش الملكي، غير أنه عوض الاحتكام للنسبة العامة، التي كانت لصالح الرجاء الرياضي، تم اتخاذ قرار غير مألوف بإجراء دوري ثلاثي بين الفرق الثلاثة، الأمر الذي رفضه الرجاء واعتبر ذلك مسألة كرامة ومبدأ وانسحب من البطولة.
وفي النهاية، أقيمت المباراة بين النادي القنيطري والجيش الملكي، وفاز النادي القنيطري بالبطولة، حيث أُقيمت المباراة في ملعب فيليب، وكان النادي القنيطري وقتها تحت إشراف المدرب الخميري، إذ تعتبر هذه الواقعة من الأحداث المثيرة التي سجلها التاريخ.
إلى جانب ذلك، وقعت أحداث أخرى في مواسم لاحقة مثل موسم 1964-1965 حيث تعرض فريق الجيش الملكي للخسارة في إحدى المباريات أمام فريق المغرب الفاسي عن طريق اللاعب جنان، وحصل اعتداء على اللاعبين والحكم، ففي تلك المباراة، تعرض الحكم البوكيلي للاعتداء، وخرج قرار من إدارة فريق الجيش الملكي في صباح اليوم التالي يفيد بأن الفريق لن يكمل البطولة، وكانت هذه الأخيرة في مراحلها الأخيرة، حيث تبقت جولتان أو ثلاث فقط.
هذا القرار أثار ذعراً كبيراً، لأنه إذا انسحب الفريق، ستُسحب نقاطه من رصيد الفرق الأخرى التي لعب ضدها وهذا السيناريو كان يعني أن فريق الرجاء الرياضي سيهبط إلى القسم الثاني، مما سيخلق ارتباكاً كبيراً في الترتيب، لكن بعد تدخلات وتوافقات، عاد فريق الجيش الملكي وأكمل البطولة، غير أنه قرر في الموسم الموالي ألا يلعب معلناً سنة بيضاء احتجاجاً على ما حدث.
ورغم السنة البيضاء، قام الفريق بجولة في أوروبا، شملت دولاً مثل النرويج وروسيا، ولعب مباريات كبيرة مع أندية عالمية، وفي تلك الفترة، كان من المفترض أن يؤدي الانسحاب إلى نزول الفريق إلى الأقسام السفلى، لكن تم الاتفاق على أن يعود في الموسم الموالي إلى القسم الأول، وهذه الواقعة مسجلة في تاريخ فريق الجيش الملكي كأحد أغرب الوقائع في تاريخ الكرة المغربية.
وعانى الجيش الملكي، في السبعينيات من تراجع كبير كاد أن يؤدي إلى هبوطه إلى القسم الثاني في نهاية العقد، ولكن تم إيجاد مخرج لمنع هذا الهبوط، وهو ما يُعتبر من الأحداث المسجلة في تاريخ الفريق.
الجيش الملكي يدخل التاريخ
وفق منصف اليازغي، فإن فريق الجيش الملكي كان أول فريق مغربي ينافس في البطولات الإفريقية للأندية وليس النادي القنيطري أو جمعية الحليب كما يشاع، وذلك في موسم 1968-1969، حيث شارك الفريق العسكري في البطولة الإفريقية وخسر في نصف النهائي بطريقة مثيرة، حيث فاز خارج المغرب لكنه لم يتمكن من التأهل إلى النهائي بسبب نتيجة مباراة العودة.
ويحكي اليازغي أنه خلال السبعينيات، لم يشارك أي فريق مغربي في البطولات الإفريقية للأندية، رغم إنجازات المغرب على مستوى المنتخبات، مثل الفوز بكأس إفريقيا للأمم 1976 والمشاركة في كأس العالم 1970.
وهذا الغياب عن البطولات الإفريقية كان يعود، حسب الباحث المتخصص، إلى ظروف اقتصادية وسياسية صعبة في المغرب خلال تلك الفترة، ففي السبعينيات، كان المغرب يواجه تحديات كبيرة، منها قضية الصحراء المغربية، إضافة إلى محاولتي انقلاب عامي 1971 و1972، مما أثر على الاستقرار السياسي والاقتصادي، كما كان المغرب في تلك الفترة يفتقر للعملة الصعبة، ولم يكن بإمكانه تمويل استيراد المعدات أو حتى شراء القمح بسبب الجفاف، وكان التركيز منصباً على البناء الداخلي والتعامل مع التحديات الكبرى، مما جعل المشاركة في البطولات الإفريقية للأندية خارج الأولويات.
وشهد فريق الجيش الملكي في الثمانينات تطوراً كبيراً على مستوى هيكلته، بفضل وجود مدرب برازيلي مثل المهدي فاريا، إلى جانب لاعبين مميزين، حيث كان المنتخب المغربي في تلك الفترة يعتمد بشكل كبير على لاعبي الجيش الملكي، إذ شكّلوا حوالي خمسة إلى ستة لاعبين أساسيين في تشكيلة المنتخب.
في كثير من الأحيان، كان يُقال إن المنتخب يستحق أن يكون بالكامل من فريق الجيش الملكي، باستثناء إضافات قليلة مثل بودربالة والزاكي، وهذا الأمر يعكس قوة الفريق في تلك الفترة والدليل الأكبر على ذلك هو فوزه بأول كأس إفريقية للأندية البطلة عام 1985 وبعد هذا الإنجاز، تم استقبال الفريق من طرف الملك الراحل الحسن الثاني في بلجيكا، حيث انتقلوا مباشرة من الجزائر إلى هناك، وهذا الإنجاز فتح المجال أمام الفرق المغربية الأخرى لتحقيق النجاحات في البطولات الإفريقية، مثل الرجاء البيضاوي في 1988-1989، والوداد في 1992-1993.
جدل الارتباط العسكري
يقترح البعض، حسب اليازغي، تغيير اسم الفريق إلى اسم مدني مثل “اتحاد العاصمة”، لكن الجماهير مرتبطة باسم “الجيش الملكي”، والذي يمثل المؤسسة العسكرية المغربية، هذه المؤسسة تُعتبر حامية للوطن ووحدته الترابية، ولها دور كبير في الحفاظ على الأمن والاستقرار، خصوصاً في الجنوب وفي مواجهة أعداء الوحدة الوطنية، وفق تعبيره.
“من هذا المنطلق، يرى البعض أن فريق الجيش الملكي لا يجب أن يتعرض للسب أو الإهانة في ملاعب كرة القدم بالمغرب ومن الطبيعي أن يخسر الفريق مباريات، لكن الإساءة للاسم تمثل مشكلة، خاصة وأن الإعلام الجزائري أحياناً يستغل ذلك للتقليل من قيمة الفريق.
وعلى الصعيد العالمي، يُلاحظ أن الفرق العسكرية غالباً ما ترتبط بدول تمر بمرحلة تخلف أو نقص في الديمقراطية، مثل بعض دول إفريقيا وسوريا وأوروبا الشرقية سابقاً. لذا، يُطرح السؤال: هل يجب أن يستمر الجيش الملكي في البطولة المدنية؟ أم يتحول إلى بطولة عسكرية خاصة؟”، يتساءل اليازغي.
توجه عالمي
يروي الدكتور الباحث، منصف اليزاغي، أن المغرب على الرغم من عدم مشاركته في كأس إفريقيا إلا في دورة الكاميرون عام 1972، إلا أنه كان قد سجل اسمه في التصفيات عام 1961، غير أنه اعتذر ولم يتمكن من المشاركة، وفي الدورات اللاحقة، شارك في التصفيات لكنه خسر ولم يتأهل، وطوال تلك الفترة، لم يكن هناك اهتمام مستمر أو رغبة قوية في التسجيل أو المشاركة بانتظام، وفق تعبيره.
كما يُسجل للمغرب أنه في عام 1961 شارك في تصفيات كأس العالم 1962 التي أقيمت في تشيلي، ولعب المغرب ضد منتخبات إفريقية مثل تونس وغانا، وتأهل، لكن الاتحاد الدولي كان لديه نظام توزيع غريب للمنتخبات المتأهلة، حيث فرض على المغرب، ممثل القارة الإفريقية، أن يخوض مباراة فاصلة ضد إسبانيا التي كانت تضم نجومًا كبارًا مثل سانتا ماريا ودي ستيفانو، ولعب المباراة، وخسر في الرباط بهدف لصفر، وفي البرنابيو خسر بثلاثة أهداف مقابل هدفين.
ويرى اليازغي أن هذا الحدث أعطى المغرب سبقًا تاريخيًا، فقد كان أول بلد عربي وإفريقي يصعد إلى النهائيات عبر التصفيات القارية عام 1970، مشيرا إلى أن العديد من المتتعبين للشأن الكروي يقعون في خطأ أن مصر لعبت في كأس العالم 1934، لأن مصر تأهلت حينها عبر مواجهة فلسطين، التي كانت محسوبة على قارة أخرى، وليس عبر تصفيات قارية.
تضامن إفريقي والمشاركة في مونديال 1970
بعد قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم سنة 1961، اعتبر المغرب أن حرمانه من اللعب في كأس العالم بتشيلي عام 1962 كان ظلمًا، وهذا الموقف قاد القارة الإفريقية لاحقًا إلى الامتناع عن المشاركة في تصفيات كأس العالم 1966 في إنجلترا.
هذا الموقف دفع الاتحاد الدولي إلى منح القارة الإفريقية مقعدًا كاملاً في كأس العالم، بدلاً من نصف مقعد كما كان الحال في عام 1961، وهكذا، تمكنت القارة من المشاركة بشكل مباشر في التظاهرات العالمية، وفي التصفيات المؤهلة لكأس العالم 1970، واجه المغرب منتخبات مثل السودان ونيجيريا في دوري ثلاثي، ونجح في التأهل إلى كأس العالم في المكسيك.
الحدث الأكثر بروزًا في تلك الفترة كان في المباراة التي جمعت المغرب بألمانيا في كأس العالم 1970، عندما كان المغرب متقدمًا بهدف لصفر سجله اللاعب الراحل حمان جرير، حيث يُقال إن الملك الراحل الحسن الثاني اتصل بالإذاعي أحمد البيضاوي الذي كان آنذاك في الإذاعة المغربية، وأخبره أنه في حالة انتهت المباراة بفوز المغرب، فإنه سيوجه خطابًا للأمة.
هذا الإنجاز ساهم في انفتاح المغرب أكثر على القارة الإفريقية، وشارك في كأس إفريقيا 1972 بالكاميرون، محققا ثلاثة تعادلات وخرج بسبب القرعة، فيما أشار منصف اليازغي إلى أنه “ربما لو لم تكن القرعة هي الفاصل، لكان بإمكانه التقدم أكثر، لأن الفريق الذي أخرجه بالقرعة، وهو الكونغو، فاز بالكأس لاحقًا”.
مقاطعة التصفيات و”الكان”
بعد ذلك، دخل المغرب تصفيات كأس العالم 1974، لكن وقعت حادثة مشهودة في دجنبر 1973 أثناء مواجهة الزايير في ملعب كينشاسا، حيث ارتكب الحكم “لوبتي” ما يمكن وصفه بمجزرة تحكيمية بحق المنتخب المغربي، وبسبب هذا الظلم، رفض المغرب استكمال التصفيات، ولم يشارك في كأس إفريقيا 1974 التي أقيمت في مصر.
ورغم أن المغرب كان بعيدًا عن القارة الإفريقية في تلك الفترة، فقد سجل حضوره في تصفيات 1961، وشارك في تصفيات 1963، ولكنه كان أحيانًا يفتقر إلى الإمكانيات التي تمكنه من الحضور الدائم في هذه المنافسات.
قصص مثيرة في معجزة 1976
جاءت المشاركة المغربية في كأس إفريقيا لعام 1976 في ظروف سياسية صعبة، حسب اليازغي، حيث كان المغرب قد استرجع أقاليمه الجنوبية في نونبر 1975، وفي تلك المرحلة، كان المغرب ما يزال يعيش تبعات ذكريات غير جيدة من بداية السبعينيات على مستوى كرة القدم، ومع ذلك، بقي المغرب الدولة التي استطاعت تحقيق مشاركة مشرفة في كأس العالم 1970، وكانت تلك المرحلة مليئة بالمشاعر المختلطة لما حدث أمام الزايير عام 1973، وهو ما أثر بشكل كبير على الوضع الكروي المغربي.
وخلال بطولة 1976، لوحظ أن المنتخب المغربي لم يكن يعتمد على الفرق الكبيرة مثل الرجاء والوداد والجيش الملكي، بل كان منتخبًا يمثل جميع أنحاء المغرب وكان يضم لاعبين من المحمدية، فاس، سيدي قاسم، وجدة وغيرها، وهو أمر لم يُرَ بعد ذلك بفعل تراجع تمثيل المدن الصغيرة.
وفيما يتعلق بالناخب الوطني، كان المهدي بلمجدوب يقوم بدور مزدوج ككاتب عام وكناخب وطني، حيث كان يعمل إلى جانب المدرب الروماني ماردا ريسكو، الذي كان لاجئًا في المغرب بسبب مشاكل سياسية في بلاده، إذ لم يكن هذا الأخير لم يكن يختار اللاعبين بنفسه، بل كان يجلبهم بلمجدوب.
كانت البطولة مليئة بالأحداث المثيرة، ومنها اللقاء مع الزايير، بطلة الدورة السابقة في مصر عام 1974، في الدور الأول، حيث كان الفريقان يقيمان في نفس الفندق، وكان لاعبو الزايير يسخرون من المغرب بسبب الأحداث التي وقعت في عام 1973، ومع ذلك، استطاع المغرب الانتقام والفوز عليهم في تلك المباراة.
في الدور النهائي، كان نظام البطولة يعتمد على التنقيط، وفي المباراة الحاسمة التي أقيمت في أديس أبابا أمام غينيا، احتاج المغرب إلى نقطة واحدة فقط للتتويج، بينما كان على غينيا الفوز، ورغم تقدم غينيا بهدف لصفر، استطاع المغرب التعادل بفضل هدف اللاعب بابا بطريقة درامية أثارت فرحة اللاعبين والجماهير.
أحداث المباراة كانت استثنائية وصعبة، حيث يحكي عزوز بلفايدة، الذي كان حاملًا للأمتعة مع المنتخب، عن تلك اللحظات، يروي كيف أن اللاعبين الغينيين انهاروا تمامًا بعد تسجيل الهدف، بينما فرح المغاربة بشكل هستيري، وفي خضم هذه الأجواء، كان المذيع أحمد الغربي هو الوحيد الذي نقل المباراة عبر الإذاعة الوطنية. يُقال إنه تأثر بشدة بسبب الحماس الزائد، مما أثر على حباله الصوتية لسنوات لاحقة.
المباراة النهائية شهدت أداء خرافيا من الحارس مثل حميد الهزاز، الذي كان يسدد ويصد الكرات بطريقة مذهلة، ورغم أن الجمهور كان يميل لغينيا بسبب البشرة السوداء والتقارب الثقافي، إلا أن المغرب استطاع الفوز بلقبه الوحيد في كأس إفريقيا.
ويعتبر اليازغي أن هذا اللقب كان إنجازًا كبيرًا في ظل الظروف الصعبة جدًا التي عاشها اللاعبون، حيث لم يكن الطعام متوفرًا بشكل جيد، وكانت الأجواء غير مريحة، خاصة في أديس أبابا التي كانت تعاني من المجاعة في تلك الفترة ورغم ذلك، استطاع المغرب تحقيق اللقب بفضل عزيمة اللاعبين وروحهم القتالية.
استحواذ المسؤولين العسكريين على رئاسة جامعة الكرة
بداية من سبعينيات القرن الماضي ووصلا إلى سنة 2009، استحوذ المسؤولون العسكريون، أغلبهم من الجيش الملكي، على رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم من خلال 4 رؤساء، أشهرهم الجنرال دوكور دارمي حسني بنسليمان، وهو ما اعتبره الدكتور الباحث في السياسات الرياضية، منطقيا على اعتبار، أن مؤسسة الجيش الملكي هي المؤسسة الأكثر تنظيماً في المغرب.
كما أن مؤسسة الجيش الملكي تعتبر الأكثر التزاماً في عدة أمور، سواء في علاقتها مع الملك أو في العمل الذي تقوم به، بالإضافة إلى الموارد المتاحة لها في إطار عملها اليومي وبالتالي، بالنسبة للراحل الحسن الثاني، كانت المؤسسة هي الأكثر قدرة على فرض الانضباط داخل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، حسب اليازغي.
ولفت المتحدث ذاته أن المنتخب المغربي شهد بعض الانفلاتات في بعض التظاهرات الرياضية من قِبَل اللاعبين ووقعت أمور لا تشرف المغرب، وفق تعبيره، لذلك كان من الضروري فرض الانضباط، خاصة أن شخصية الرجل العسكري تتميز بالانضباط خاصة خلال عهد الجنرال حسني بنسليمان، فضلا عن الإمكانيات اللوجستية المتاحة.
وكان حسني بنلسمان يوفر طائرات من طراز “سي 130” لخدمة المنتخب الوطني أو بعض الأندية المغربية، بالإضافة إلى ذلك، فإن الحسن الثاني كان يضمن أن الجامعة التي يقودها رجل مثل الجنرال حسين بن سليمان أو حسين الزموري تحصل على اعتمادات مالية عبر مؤسسات عمومية، فقد كانت المؤسسات بحاجة إلى الثقة في الشخص الذي يقود هذه العملية، وهذا هو السر في هذا التوجه، حسب اليازغي.
الميزانية التي كان يدير بها الجنرال حسين بن سليمان جامعة كرة القدم لم تتجاوز 15 مليار سنتيم. بينما حالياً، تمتلك الجامعة ميزانية تزيد عن 87 مليار سنتيم، حسب اليازغي، ومن هنا يظهر الفارق في الإمكانيات، وفي عهده وصل المغرب إلى نهائيات كأس العالم 1986، وفي عام 2004 وصل إلى نهائي كأس إفريقيا قبل الخسارة من تونس في المشهد الختامي.
الانتخابات النزيهة الوحيدة
يروي منصف اليازغي أن أول رئيس من المؤسسة العسكرية تقلد مسؤولية رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم هو المهدي بلمجدوب وكان شخصية مثيرة للاهتمام، وفق تعبيره، فقد كان لاعباً في الجيش الملكي في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، وكان لاعباً متميزاً، وأصبح لاحقاً كاتباً عاماً للجامعة ومن ثم رئيساً لها.
هذه الشخصية، حسب اليازغي، صعدت بطريقة طبيعية جداً، دون وجود أي تدخلات أو ضغوط وخلال فترته، شهد المغرب الانتخابات الديمقراطية الوحيدة في تاريخ كرة القدم المغربية حتى عام 2014، حيث كانت تلك الانتخابات تعتمد على صناديق الاقتراع.
ويعتبر اليازغي أن مهدي بلمجدوب كان الرئيس الوحيد الذي صعد عبر انتخابات ديمقراطية في عام 1978، وفي بداية عام 1979، جرت عملية تصويت أخرى أثارت الكثير من الجدل في تاريخ كرة القدم المغربية، حيث كان السؤال المطروح “هل يستمر مهدي بلمجدوب رئيساً أم يتم تنحيته؟”، وكان كان بينه وبين وزير الشباب والرياضة السابق عبد اللطيف السملالي وبفارق صوت واحد، بقي بلمجدوب رئيساً للجامعة، وكانت تلك الانتخابات ديمقراطية حقيقية، دون تدخل أو تعيين، حسب اليازغي.
ورغم ذلك، لم يحالف الحظ مهدي بلمجدوب، إذ تصادفت فترته مع خسارة المغرب أمام الجزائر في تصفيات الألعاب الأولمبية بموسكو يوم 9 دجنبر 1979 بنتيجة 5-1 في الدار البيضاء وأدى ذلك إلى تنحيته وكل أعضاء الجامعة في تلك الفترة.
ويحكي اليازغي أنه “في باقي الفترات فقد كان الاعتماد على تعيينات “فوقية”، حيث يتم اختيار رئيس الجامعة بناءً على توجيهات عليا من القصر الملكي، أو الترويج لشخص معين مرغوب فيه من جهات عليا قبل انعقاد الجمع العام وتكون العملية غالباً كانت محسومة مسبقاً، مع بعض المظاهر التمثيلية التي تظهر وكأنها إجماع”.
استمرار السيطرة العسكرية
بعد ذلك، جاءت لجنة إدارية من وزارة الشباب والرياضة، ثم في نهاية عام 1985، ومع تأهل المغرب إلى كأس العالم 1986، كان من الضروري أن تكون للجامعة شرعية وبناءً على ذلك، تم التواصل مع الراحل الحسن الثاني خلال زيارته للأقاليم الصحراوية في أواخر عام 1985، حيث تم تعيين العقيد إدريس باموس رئيساً للجامعة.
إدريس باموس قاد الجامعة من نهاية 1985 حتى عام 1992، حين خرج المغرب بطريقة غريبة جداً من الدور الأول في كأس إفريقيا في السنغال، بعدها تم إعفاء إدريس باموس، وتولى الجنرال حسين الزموري قيادة الجامعة بين عامي 1992 و1994، ثم جاءت لجنة مؤقتة تحت إشراف الجنرال دو ديفيزيون حسني بن سليمان بعد النتائج الكارثية في مونديال 1994 في الولايات المتحدة قبل تعيينه بصفة دائمة إلى غاية 2009.
أول تجربة تنظيمية للمغرب وإعفاء السملالي
يعتبر الدكتور الباحث في السياسات الرياضية، منصف اليازغي، أن “فترة الثمانينات شهدت أحداثا بارزة في جميع المجالات، مبرزا أنه يمكن التفريق بين مغرب ما ما قبل 1983 على المستوى الرياضي ومغرب ما بعد 1983، وخاصة بعد تنظيم الألعاب المتوسطية، مشيرا إلى أن هذه الأخيرة “أصبحت منافسة هامشية تتقاذفها الدول ولا يوجد حماس كبير لاستضافتها كما كان في السابق ولم تعد مثل الدورات التي كانت في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، حيث كانت تتميز بمشاركة كبيرة واهتمام واسع من لاعبين وعدائين كبار”.
وبالعودة لدورة 1983، فقد شارك المنتخب المغربي الأول بشكل كامل، ولم يكن منتخباً أولمبياً أو أي منتخب آخر من الفئات السنية، وتقدم المغرب لاستضافة هذه الدورة بعد دورة الجزائر عام 1975، إلا أن قانون الألعاب المتوسطية ينص على أن الدورات تُنظّم بالتناوب بين الضفة الشمالية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، وهكذا، بعد استضافة الجزائر عام 1975، وأيضاً يوغوسلافيا (مدينة سبلِيت) في 1979، جاء الدور على المغرب لاستضافة دورة 1983.
تنظيم تلك الألعاب المتوسطية لم يكن سهلاً بسبب تحديات مالية كبيرة آنذاك، حسب اليازغي، فقد واجه المغرب ارتفاعاً قياسياً في المديونية الخارجية، بالإضافة إلى انخفاض أسعار الفوسفاط وزيادة تكاليف إنشاء مؤسسات عمومية في السبعينيات، كما تحمل المغرب تكاليف قضية الصحراء المغربية، حيث ذكر الحسن الثاني في خطاب أواخر السبعينات أن تكلفة الصحراء بلغت مليار سنتيم تصرف يوميا.
وبسبب تلك الظروف، كانت اللجنة الأولمبية الدولية قد وضعت مدينة نيس الفرنسية كخيار احتياطي في حال عدم إتمام المغرب تجهيزاته، إلا أن المغرب تمكن من إكمال الأشغال بدعم مالي من دول الخليج، مثل العراق، السعودية، والكويت، ففي تلك الفترة، أنشأ المغرب بنية تحتية رياضية مهمة، قاطعة مع الإرث الاستعماري الفرنسي، من أبرزها، بناء ملعب وجدة، توسيع ملعب محمد الخامس، بناء ملعب مولاي عبد الله، وإنشاء القاعة المغطاة بجانب ملعب محمد الخامس التي تضم مسبحاً ومرافق أخرى، كما تم تجهيز مدينة سطات لاستضافة بعض التظاهرات الرياضية.
ويروي اليازغي أن الملك الراحل الحسن الثاني قرر إعفاء وزير الشباب والرياضة عبد اللطيف السملالي من رئاسة اللجنة المنظمة، وعوضه الملك محمد السادس، الذي كان ولي العهد آنذاك، للوقوف على التجهيزات التنظيمية، حيث أعطى وجود ولي العهد زخمًا كبيرًا، وتم حشد جهود الجيش والقوات المسلحة الملكية لإنجاح التظاهرة.
نتائج تاريخية وخطة الحسن الثاني
على صعيد النتائج، حصل المغرب آنذاك على لقب كبير في الألعاب المتوسطية، التي كانت تضم العديد من الرياضات، إلا أن كرة القدم كانت دائما الرياضة التي تثير أكبر قدر من الاهتمام والإثارة، وقبل المباراة النهائية أمام تركيا، استقبل الراحل الحسن الثاني المنتخب المغربي في قصر الصخيرات، حيث كان يُرشد اللاعبين ويوجههم حول طريقة اللعب وتحدث مع اللاعبين والمدرب، ووقف يشرح لهم باستخدام رسم للمثلثات كيف يمكنهم اللعب وتنفيذ التكتيكات على أرضية الملعب ووضع لهم خطة الفوز باللقاء.
هذه الخطوة، أثارت اندهاش وإعجاب مدرب المنتخب المغربي آنذاك، فالونتي، حيث قال للاعبيه بدهشة بعد الخروج من القصر: “أي ملك هذا الذي يفهم في كرة القدم إلى هذا الحد وبهذا الشكل؟”، حيث عبر فالونتي عن انبهاره بهذا المستوى من الفهم العميق لكرة القدم من الملك الحسن الثاني، حتى قال إنه يستطيع أن يتحدث عن أي أمر في مجال تخصصه دون أن يستطيع أحد أن يعترض على كلامه، نظرًا لمنصبه ومكانته.
ولم يكن هذا الاعتراف هو الأول من المدربين حيث أكدوا البراعة التي كان يتمتع بها الحسن الثاني في التخطيط الكروي، حيث سبق للحسن الثاني أن أرسل، بين شوطي إحدى مباريات فريق الجيش الملكي في كأس محمد الخامس التي كانت تُقام في الستينيات، وثيقة تحتوي على تعليمات دقيقة جدًا للمدرب، وتُظهر الفكر الكروي المتقدم الذي كان يتمتع به.
في تلك المباراة النهائية أمام تركيا، فاز المنتخب المغربي بالميدالية الذهبية، كما كانت تلك البطولة مليئة بالإنجازات، مثل فوز عبد الحق عاشق بالميدالية الذهبية، وفوز فضلي في الملاكمة، وتألق العدائين المغاربة كنوال متوكل وسعيد عويطة، ورغم أن المغرب لم يحتل المرتبة الأولى في الترتيب العام، إلا أن الفوز بمنافسات كرة القدم كان له تأثير كبير، إذ أظهر مدى الشعبية الكبيرة التي تتمتع بها هذه الرياضة في المغرب.
ويقول اليازغي: “ما خلفته لنا هذه الألعاب المتوسطية هو أنها ساهمت في بناء صورة الرياضي الرمز وأصبح لدينا نماذج رياضية واضحة أمامنا من أبطال رياضيين تمكنوا من تحقيق إنجازات كبيرة، وهذا النجاح أدى إلى زيادة عدد الممارسين الرياضيين المرخص لهم في إطار الجمعيات بشكل ملحوظ في ظرف سنتين فقط بعد عام 1983، وتشجع المغاربة على ممارسة كرة القدم، حيث رغب الجميع في لعب كرة القدم.
كانت محطة عام 1983 أساسية في تاريخ الرياضة المغربية وشكلت أساس المنتخب الذي سيلعب في مونديال 1986، حيث شارك معظم اللاعبين في دورة 1986، إذ يعتبر اليازغي أن “سنة 1983 كانت مرحلة جوهرية في تاريخ الرياضة المغربية”.
تعليقات
إرسال تعليق