أعرق الأندية .. تاريخ كرة القدم في المغرب
تختلف الروايات بشأن تاريخ تعرّف المغاربة على لعبة كرة القدم في شكلها المنظم الذي تطور إلى ما هو عليه حاليا، وأبرزها روايتان:
الأولى تقول إنهم تعرفوا على هذه اللعبة منذ أواسط القرن الـ19عن طريق البحارة الإنجليز الذين كانوا يمارسونها وهم ينتظرون الانتهاء من إصلاح سفنهم كلما حلّوا بالموانئ المغربية.
وأما الرواية الثانية فتقول إنه على عكس ما جرى في بلدان أخرى، فإن لعبة كرة القدم لم تصل إلى المغرب عن طريق مكتشفيها الإنجليز، بل إن الذين أدخلوا هذه اللعبة إلى المغرب هم العسكريون والمستوطنون الفرنسيون.
فقد ظل المغاربة، كما تقول بعض المصادر، يمارسون هذه اللعبة في المدن والقرى ويروّحون بها عن أنفسهم بكل عشوائية، ولم تجر أول منافسة رسمية بين فرق مؤسسة وفي دوري منتظم فوق التراب المغربي إلا في سنة 1916.
ولكن قيدوم الصحفيين والمعلقين الرياضيين المغاربة الحسين الحياني يؤكد أن أول مباراة رسمية لُعِبت فوق التراب المغربي قد جرت أطوارها في سنة 1913 في قرية "عين تاوجطات" الواقعة بين مدينتي فاس ومكناس (وسط المغرب)، وذلك بعد سنة فقط من فرض نظام الحماية على المغرب، والذي تحول عمليا إلى استعمار حقيقي. وقد تكون هذه المباراة قد جرت بين مستوطنين فرنسيين من مدينة فاس ومستوطنين فرنسيين من مدينة مكناس.
النادي الرياضي المغربي 1902
مقاومة الاستعمار
وأيّما الروايتين صحّت، فإن سنة 1913 عرفت تأسيس أول نوادي كرة القدم في المغرب، وعلى رأسها النادي الشهير "الاتحاد الرياضي المغربي البيضاوي" (U.S.M.) الذي أصبح الرمز الممثل لحقبة كرة القدم بالمغرب في عهد الاستعمار.
ثم شهدت سنة 1916 إطلاق صافرة انطلاق أول منافسة رسمية، أطلق عليها اسم "العصبة المغربية" (La Ligue Marocaine)، ولم تكن تحمل من الصفة المغربية إلا الاسم، إذ لم يكن مسموحا أن تمارس فيها إلا نوادٍ تضم لاعبين أوربيين فقط.
كما أنها كانت على الصعيد الإداري تحت وصاية الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، الذي كان يضم 22 "عصبة" (دوري) إقليمية تمثل المستعمرات الفرنسية، من بينها 5 من شمال أفريقيا (عصبة المغرب، وعصبة وهران، وعصبة الجزائر، وعصبة قسطنطينة، وعصبة تونس).
وقد فاز بلقب الموسم الأول "نادي الدار البيضاء" (C.A. Casablanca) الذي سيصبح، بالمحصلة، أول بطل في تاريخ المغرب، وبعد ذلك بسنة بدأ عهد انتصارات "الاتحاد الرياضي المغربي لكرة القدم" (L’Union Sportive Marocaine) (U.S.M.) الذي فاز بالبطولة في 3 سنوات متتالية. وفي أعقاب نهاية الحرب العالمية الأولى، توقفت انتصارات النادي البيضاوي فترة من الزمن، حيث ساد نادي "الأولمبيك المغربي"، وهو فريق رباطي لـ4 سنوات متوالية.
ومن ضمنهم محمد بن لحسن التونسي العفاني الملقب بـ"الأب جيغو" (Père Jégo)، فبعد أن كان أول حامل لشهادة الباكالوريا في تاريخ المغرب، اكتشف الأب "جيكو" حبه لكرة القدم حينما ذهب إلى فرنسا من أجل مواصلة دراسته سنة 1919.
وبعد أن أنهى دراسته في مجال المهن المالية والبنكية، عاد إلى المغرب سنة 1922، حيث انضم إلى صفوف الاتحاد الرياضي للدار البيضاء (U.S.M.).
لم يكن مسار هذا اللاعب مسارا ساطعا كما سيسطع نجمه فيما بعد مدربا ومربّيا، لكنه يبقى واحدا من اللاعبين المغاربة القلائل الذين لعبوا في الدوري المغربي آنذاك. وبعد عقود قليلة على ذلك، ستبرز عبقريته الكروية في التدريب وسيبقى اسمه مرتبطا إلى الأبد بفريق الرجاء البيضاوي، الذي كان أول مؤسس له على إثر اختلاف بينه وبين مسيّري نادي الوداد الرياضي، الذي كان كذلك أحد مؤسسيه.
وقد قال مقولته الشهيرة وهو يغادر الوداد "لأؤسسن فريقا سوف يقتسم مع الوداد شمس وهواء مدينة الدار البيضاء". وكذلك كان بعد تأسيسه لفريق الرجاء، وما زال إلى اليوم.
بدايات كرة قدم "الأهالي"
بدأت فيما بعد في المغرب ما يمكن أن نسميها مرحلة "كرة قدم الأهالي" (Le football des indigènes)، وهي المرحلة التي بدأ فيها تأسيس النوادي على يد الوطنيين المغاربة، وكانت السلطات الفرنسية في المغرب قد أصدرت قانونا يمنع على المغاربة تأسيس الجمعيات أو النوادي، إلا بشرط وجود من يحمل الجنسية الفرنسية في مكتبها ولو كان فردا واحدا.
ولأن فرنسا بعد استعمارها الجزائر عدّتها مقاطعة فرنسية وأعطت كل أبنائها الجنسية الفرنسية، فقد اهتدى بعض الوطنيين المغاربة إلى حيلة تضمين مكاتبهم التنفيذية مواطنين جزائريين من المقيمين في المغرب.
فأخذوا بهذه الطريقة يؤسسون بالتعاون مع الجزائريين جمعيات رياضية وثقافية، ولذلك نجد أن المكاتب المسيّرة الأولى للفرق المغربية سواء الوداد البيضاوي أو الرجاء البيضاوي أو الفتح الرباطي أو غيرها لا تخلو من عضو جزائري واحد على الأقل.
ظهور "النوادي الإسلامية"
وفي هذه المرحلة بدأت فترة ما عرف بـ"النوادي الإسلامية" ترى النور، وهي نواد بدأ المغاربة يطلقون عليها وصف "الإسلامي" ردا على الاستعمار الفرنسي الذي استهدف في كثير من المناسبات الهوية الإسلامية للمغرب. ولم يعترف الاستعمار رسميا بالجمعية الرباطية-السلاوية باعتبارها أول "فريق إسلامي" إلا في سنة 1932، مع أنها أُسّست في سنة 1923.
ورأت فرق أخرى مماثلة في شمال البلاد النور، ففور إقامة منطقة طنجة الدولية سنة 1923 تم الترخيص لأول ناد مغربي فيها وهو "جمعية المغرب الأقصى" بمدينة طنجة، لكن غياب إقصائيات في هذه المنطقة لغياب فرق منافسة، وكذلك بمجموع شمال المغرب الخاضع حينئذ للحماية الإسبانية، أجبر الفرق على المكوث في الأقسام المتدنية للبطولة الإسبانية.
وكان الاستثناء الوحيد هو الإنجاز الذي حققه النادي التطواني الذي تمكن في موسم 1950-1951 من الصعود إلى القسم الأول الإسباني لكي يلعب ضد فرق مثل "ريال مدريد" و"إف سي برشلونة".
أما في المناطق التي كانت تحت الاستعمار الفرنسي فقد شكلت سنة 1926 بداية مرحلة جديدة في تطور كرة القدم المغربية. فبعد الانضمام لبطولة أفريقيا الشمالية، تمكنت نوادي المملكة هذه المرة من التباري مع نظرائها من الجزائر وتونس.
وبعد 6 سنوات (1932) تمكن "الاتحاد الرياضي المغربي للدار البيضاء" (U.S.M.) (كان يسمى ناديا مغربيا تجاوزا فهو كان ناديا للمعمرين الفرنسيين وسمح لبعض المغاربة باللعب فيه) من أن يصبح أول فريق مغربي يفوز بهذه البطولة، بعد سيطرة النوادي الجزائرية عليها لمدة طويلة.
وقد شكل ذلك العصر الذهبي للفريق البيضاوي، الذي كان يضم في صفوفه أفضل العناصر المشاركة في هذه البطولة. وكان أيضا من أفضل اللاعبين الذين انضموا إليه بعد فوزه بهذه البطولة أسطورة كرة القدم المغربية العربي بن مبارك.
وفي العام التالي، نجح أخيرا في فرض نفسه بتقنياته وبأناقة لعبه. لكن بن مبارك لم يمكث سوى سنتين أخريين قبل أن يقطع البحر المتوسط للتوقيع مع فريق "أولمبيك مرسيليا"، حيث صنع فرح وسعادة الجمهور هناك.
شكل هذا الانتقال نوعا من الاعتراف بمهارة جيل بكامله من اللاعبين ممن كان الفرنسيون يسمونهم بـ"الأهالي" (les indigènes)، الذين تعلموا كرة القدم باللعب بكرات يصنعونها بأيديهم من خرق بالية تُجَمَّع وتُكوَّم وتوضع وسط خرقة كبيرة تضمها جميعا في شكل دائري يحاكي الكرات التي كان يلعب بها الفرنسيون.
فمنذ بداية الحماية أصبحت كرة القدم وسيلة للاستيعاب. وخلال الثلاثينيات من القرن الماضي، التي شهدت بزوغ الحركة الوطنية المغربية المقاومة للاستعمار، أصبحت كرة القدم وسيلة رائعة لتأكيد الهوية الوطنية والثقافية.
وبدأ ذلك بظهور أندية تتخذ ألقابها مباشرة من المرجعية الوطنية مثل "الجمعية الرياضية الرباطية-السلاوية" سنة 1923، و"الاتحاد الأدبي والرياضي الرباطي السلاوي" سنة 1926، الذي سينفصل بعد ذلك وتنبثق عنه فرق هي "الجمعية الرياضية السلاوية" و"اتحاد الفتح الرباطي"، و"المغرب الرباطي" سنة 1930، و"المغرب البيضاوي" سنة 1938، و"المغرب الفاسي" سنة 1946.
وبذلك أصبحت كرة القدم جزءا لا يتجزأ من اللعبة السياسية التي بدأت تتعارض فيها الحركة الوطنية مع السلطات الفرنسية.
"وداد الأمة" أول نادٍ يقتحم عليهم الباب
لم يحن بعد وقت المطالبة بالاستقلال، لكن كرة القدم والرياضة بصفة عامة أسهمت في المطالب الإصلاحية التي رفعتها الحركة الوطنية بالمغرب، وكان الهدف الرئيس لها هو القطع مع الظلم والتمييز، والشاهد على ذلك هو تاريخ إنشاء أحد أكبر الأندية المغربية، وهو الوداد البيضاوي.
فقد بدأ كل شيء سنة 1935، حين شرع بعض المسلمين واليهود في الدخول إلى المسابح المحيطة بميناء الدار البيضاء. وإذ كان الدخول لهذه المسابح مشروطا بالانتماء لنادٍ من الأندية، فقد تكاثر انضمام المغاربة لهذه الأندية، وهو ما أقلق الأوربيين الذين بدؤوا بطرد هؤلاء من أنديتهم.
وأمام هذا الوضع، قرر كل من محمد بنجلون وعبد اللطيف بنجلون التويمي إنشاء ناد يسمح للمغاربة بولوج المسابح البيضاوية. وبعد عدة اتصالات، رخص المقيم العام الفرنسي "شارل نوغيص" بإنشاء "نادي الوداد لكرة الماء" سنة 1937.
وبعد سنتين، تم إنشاء فرع كرة القدم، وضم الفريق 10 لاعبين مغاربة وأوروبيا واحدا، فضاعف ذلك من شعبية النادي البيضاوي لدى الجماهير بشكل واسع، لأنه كان أول نادٍ يمثل المغاربة ويقارع الأوروبيين، فحظي بتشجيع المواطنين المغاربة، وهو تشجيع يختلط فيه ما هو رياضي وما هو وطني محض، فكان هذا النادي مزعجا للسلطات الفرنسية، وهذا ما جعله يحمل إلى اليوم لقب "وداد الأمة".
وخلال سنة 1940، وبينما كانت أوروبا تغوص في عنف الحرب العالمية الثانية، تم تعليق منافسات العصبة (الدوري) المغربية، وتم إحلال منافسات أخرى محلها، سميت بكأس الحرب. وقد لمع نادي الوداد، الذي كان يلعب موسمه الأول، خلال هذه المنافسات، بوصوله إلى النهاية قبل أن يخسر بهدف لصفر أمام الاتحاد الرياضي المغربي.
وبعد ذلك بسنتين فاز الاتحاد الرياضي المغربي مرة أخرى بالبطولة. ورغم أن الفرق التي تضم أغلبية من الأوروبيين كانت متألقة في تلك المرحلة، فإن الهزيمة العسكرية لفرنسا سنة 1940 أعطت زخما جديدا للوطنية المغربية وازداد عدد الأندية المغربية.
وظهر أن نموذج الوداد أصبح مثالا وقدوة تحتذى، حيث تم تأسيس عدد من الفرق التي ستصنع مجد الكرة المغربية فيما بعد، مثل "المغرب الفاسي" (1946) و"الكوكب المراكشي" (1947) و"الرجاء البيضاوي" (1949)، على يد شخصيات وطنية مغربية، وطبعا بوجود وطنيين جزائريين يحملون الجنسية الفرنسية في مكاتبها التنفيذية.
وكانت سنة 1948 سنة تتويج الوداد البيضاوي بالبطولة، ولم يكن اللقب الذي فاز به هذا النادي إنجازا رياضيا فقط، ولكنه كان نصرا سياسيا أيضا. فالرمزية مهمة في هذا المجال، فالنادي الذي يضم أكبر عدد من اللاعبين "الأهليين" هو الذي فاز على كل الأندية الأخرى ذات الأغلبية الأوروبية. وقد شكل الفوز الرياضي للوداد والشعور بالهوية الوطنية عامل جذب لآلاف المشجعين عبر المملكة بأكملها.
"وداد الأمة" يقلق الفرنسيين
كان كل فوز للنادي البيضاوي يعدّ نصرا على سلطات الاستعمار، ومع ذلك ففي كل تنقل للوداد كان الفرنسيون يضعون طوقا أمنيا هائلا من أجل ردع حمية الجمهور المغربي، فقد كانت تستدعى الشرطة وكذلك الدرك وكتيبة السنغاليين والدبابات في بعض الأحيان أمام مداخل الملاعب.
ومن ذلك ما حدث في مدينة مكناس التي كانت تضم فريقا للفرنسيين هو نادي "الرشاد المكناسي"، وعندما حل فريق الوداد بمكناس فوجئ الفرنسيون بأن جمهورهم المحلي قد انقلب عليهم كليا وصار يشجع الوداد البيضاوي، مضمنا تشجيعه شعارات الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال، مما دفع السلطات الفرنسية إلى مواجهة الأمر بقمع شديد أسفر عن مئات القتلى.
وقد كانت تلك الحقبة حقبة تألق الثلاثي الذهبي للوداد: محمد الشتوكي وإدريس جماد وعبد السلام، هذه العناصر الثلاثة قادت النادي إلى الفوز بالبطولة 4 سنوات متتالية، بل إن فرقا إسبانية حاولت التعاقد معهم، إلا أن ولي العهد المغربي آنذاك (الملك الحسن الثاني فيما بعد) طالبهم بالبقاء في البلاد من أجل ضمان هيمنة الوداد، كنوع من الواجب الوطني. وكان ولي العهد -حسب شهادات متعددة- يأتي بانتظام للعب كرة القدم في أحياء المدينة القديمة بالبيضاء.
وفي سنة 1947 هز زلزال صغير النادي الودادي؛ فالأب جيكَو الذي كان إلى ذلك الحين مدرب النادي وصانع أمجاده وانتصاراته الكبرى غادر الوداد البيضاوي. وسيقوم بعد سنتين بتأسيس نادي الرجاء، حيث سيطبق أسلوب اللعب الأميركي الجنوبي عوض الأسلوب الأوروبي الذي كان قد طوّره في الوداد.
وقد كانت سنة مغادرة الأب جيكَو للوداد هي نفسها السنة التي فقد فيها النادي اللقب، وفاز به الاتحاد الرياضي البيضاوي، غريمه الدائم خلال حقبة الاستعمار، الذي فاز تلك السنة بلقبه الـ15.
غير أن سنة 1953 كانت أيضا سنة الاضطرابات الكبرى على الساحة السياسية، فقد أطلق نفي السلطان محمد الخامس إلى جزيرة مدغشقر العد العكسي النهائي نحو الاستقلال، وبذلك بدأ غروب الأندية المرتبطة بالمستعمرين.
وفي سنة 1955 فاز الوداد البيضاوي بلقبه الخامس والأخير خلال هذه الفترة، إذ سيعود السلطان محمد الخامس من منفاه كي يعلن استقلال المغرب، ومن ثم أسدل الستار على "عصبة المغرب" وترك المجال لبطولة أخرى ولصفحة أخرى من كرة القدم الوطنية.
تعليقات
إرسال تعليق